هل تزيد حرب إيران جاذبية منظمة شنغهاي لدول الخليج؟

في توقيت سياسي بالغ التعقيد، عقدت قمة وسائل الإعلام ومراكز الفكر والأبحاث لدول منظمة شنغهاي في بيشكيك، عاصمة قيرغيزستان، خلال الأسبوع الأخير من الشهر الماضي، في إطار الاستعدادات لقمّة رؤساء دول المنظمة المقررة في سبتمبر.
ومن بين وسائل الإعلام الكويتية، شاركت «الجريدة» في فعاليات القمة التي نظمت بالتعاون بين وكالة أنباء شينخوا الصينية، ووكالة خبر القيرغيزية الحكومية، بحضور نحو 260 مندوباً يمثّلون وسائل إعلام حكومية وخاصة، ومراكز فكر وأبحاث، وباحثين مستقلين، ووكالات حكومية من الدول الأعضاء والشركاء في المنظمة.
وشهدت أعمال القمّة نقاشات معمقة حول آليات تعزيز الشراكة الإعلامية والبحثية بين دول المنظمة وشركائها، مع التركيز على الدور المحوري لوسائل الإعلام ومراكز الفكر، ليس فقط في توعية الرأي العام ونقل الواقع، بل في صناعة السياسات وصياغة الرؤى الاستشرافية التي ترسم ملامح المستقبل.
كما سلّط المشاركون الضوء على التحديات المهنية والتقنية الراهنة، بدءًا من الأسئلة الجوهرية للرسالة الإعلامية «لماذا نكتب؟ وماذا نكتب؟»، وصولاً إلى سبل التصدّي للأخبار الزائفة المبتكرة عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي.
احترام الاختلافات
وفي كلمتها الافتتاحية، دعت نائبة رئيس وكالة أنباء شينخوا، شي يانتشون، إلى ميثاق عمل خماسي للإعلام الإقليمي، وشددت على أن «التزامنا الأساسي في شينخوا هو سرد قصص نجاح منظمة شنغهاي بصوت قوي ومسموع عالمياً. يجب على منابرنا الإعلامية أن تبحث عن القواسم المشتركة مع احترام الاختلافات، وأن تدعم العدالة والتعددية الدولية، وأن تنتقل بالمنظمة من مجرد التوافق القيمي إلى قيادة شراكات عملية وفعالة على الأرض».
وحثّ رئيس دائرة سياسة المعلومات بالإدارة الرئاسية القيرغيزية، داييربيك ورونبيكوف، وسائل الإعلام ومراكز الفكر التي قال إنها تتحمل مسؤوليات تاريخية وعظيمة في توجيه الرأي العام العالمي، على أن «تؤدي الدور المحوري لحماية الثقة المتبادلة وترسيخ الأمن الفكري والسيبراني بين دولنا في ظل المشهد الدولي المضطرب».
أما نائب المدير العام لوكالة تاس الروسية للأنباء، مارات أبو الخاتين، فجاءت كلمته منسجمة مع الرسائل الروسية التقليدية في فعاليات المنظمة، والتي غالباً ما تشدد على ما تعتبره نقصاً في التضامن أو «الشجاعة السياسية». في هذا السياق، قال أبوالخاتين إن «بناء علاقات راسخة وقوية بين دولنا لن يتحقق بالبيانات السياسية، بل عبر العمل العملي المشترك على الأرض»، مشدداً على ضرورة الانتقال إلى «التحليل الاستشرافي» للتحديات الدولية.
حرب إيران تغيب
وقد جاء المؤتمر بعد أيام من اجتماع لوزراء خارجية دول المنظمة في العاصمة القيرغيزية، غابت خلاله – رغم حضور وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي – التعليقات الحادة بشأن الحرب والتوتر في الشرق الأوسط.
واكتفى البيان الختامي الصادر عن الاجتماع بالإشارة إلى أن الوزراء بحثوا «بشكل معمق» التطورات والأزمات الإقليمية والدولية.
وقد انسحب ذلك على أعمال القمة الإعلامية التي حملت عنوان «روح شنغهاي في العصر الجديد… من القيم المشتركة إلى التعاون العملي»، حيث غابت حرب إيران عن النقاشات، وكان لافتاً تجنُّب الوفد الإعلامي الإيراني ذكر الحرب في كلمته خلال الجلسة العامة للمؤتمر.
سلوك منظمة شنغهاي هذا ليس جديداً في حد ذاته، إذ تجنبت منذ تأسيسها الخوض في أزمات تعني دولها، مثل النزاع الحدودي بين الصين والهند، والمواجهات الحدودية بين قيرغيزستان وطاجيكستان والحرب الروسية – الأوكرانية، والمواجهة العسكرية الكبيرة بين الهند وباكستان في 2024. ويعتبر هذا نهجاً مؤسسياً يقوم على تجنُّب تدويل الخلافات والتركيز على المصالح المشتركة ومجالات التعاون المتفق عليها.
وقد جعلت التطورات الجيوسياسية الأخيرة هذا النهج أكثر نضجاً وإلحاحاً، مع عودة التنافس بين القوى الكبرى، وتفكك منطق المحاور والأحلاف، والدخول في مرحلة تكاد تعني تعليقاً فعلياً لفاعلية النظام الدولي وقواعده وأعرافه. وقد دفع ذلك مختلف الدول، ولا سيما المتوسطة والصغيرة، إلى انتهاج سياسات التحوّط والموازنة، وتجنّب الانخراط في صراعات صفرية.
أما فيما يخُص منظمة شنغهاي تحديداً، فقد انعكس ذلك تمسُّكاً أشد بنهجها، إذ أصبح الحفاظ على التوافق الداخلي شرطًا لاستمرار فاعلية المنظمة في ظل اتساع عضويتها. فمن بين 6 أعضاء في 2001 باتت المنظمة تضم الآن 10 دول كاملة العضوية، هي الصين وروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وأوزباكستان والهند وباكستان وايران وبيلاروسيا، ودولتان مراقبتان هما أفغانستان ومنغوليا، و15 دولة شركاء حوار في مقدمتها الكويت منذ 2023 ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، باستثناء عُمان، ومصر وتركيا وأذربيجان.
مسارات إضافية
وهنا تكتسب تجربة منظمة شنغهاي أهمية خاصة بالنسبة للكويت ودول الخليج، فقد شهدت الحرب الحالية مثالاً لافتاً على الفصل بين إدارة الصراع والحفاظ على المصالح، وهو منطق يتقاطع مع النهج الذي تتبناه المنظمة، إذ تبادلت دولتان القصف صباحاً، فيما أجرى وزيرا خارجية البلدين مساءً اتصالاً لبحث التعاون الاقتصادي.
وقد جعلت الحرب الحالية منظمة شنغهاي أكثر جاذبية لدول الخليج، ليس لأنها توفر قنوات اتصال تفتقدها المنطقة، فهذه القنوات موجودة ومباشرة، وإنما لأنها تمثّل مساحة إضافية ومختلفة يمكن من خلالها إدارة العلاقة مع إيران، مع إبقاء القضايا الخلافية الكبرى في مساراتها السياسية والأمنية الخاصة. فوجود إيران داخل المنظمة، إلى جانب الصين وروسيا والهند وباكستان ودول آسيا الوسطى، يتيح لدول الخليج مجالاً إضافياً للتفاعل مع طهران في ملفات قد تتوافر فيها مصالح مشتركة، من دون أن يتطلب ذلك تسوية الخلافات الأمنية والسياسية الأكثر تعقيداً. وقد لا تكون هذه المجالات كافية لإحداث اختراق في القضايا الكبرى، لكنها تتيح تنويع مسارات العلاقة، وإضافة أطر جديدة للتعاون والتفاعل إلى جانب الأطر القائمة.
والأهم أن حضوراً خليجياً أكثر فاعلية في منظمة شنغهاي يمكن أن يخدم هدفاً استراتيجياً أوسع، هو توسيع هامش الحركة أمام دول الخليج وعدم ترك مستقبل البيئة الإقليمية رهناً فقط بمسارات التفاوض بين إيران والولايات المتحدة. فتنويع الشراكات والأطر التي تتحرك من خلالها دول الخليج لا يعني استبدال شراكات بأخرى أو الابتعاد عن الولايات المتحدة، وإنما امتلاك خيارات ومسارات إضافية تتيح لها التأثير بصورة أكبر في محيطها، والتعامل مع التحولات الإقليمية من موقع أكثر استقلالاً ومرونة. ومن هذه الزاوية، تكتسب شنغهاي أهميتها بالنسبة للكويت ودول الخليج كإطار إضافي يمكن توظيفه إلى جانب ما هو قائم، لا كبديل عنه.
روح الخليج؟
لكن هل يمكن أن تقدّم «روح شنغهاي» مدخلاً عملياً للنقاش المتزايد حول إقامة إطار إقليمي يجمع دول الخليج وإيران، وربما العراق؟ هنا يبرز اختلاف جوهري بين التجربتين، فمنظمة شنغهاي تستند إلى وجود قوى كبرى، في مقدمتها الصين وروسيا والهند، إلى جانب دول ذات أوزان ومصالح مختلفة ومتعارضة في بعض الملفات، وهو ما يمنحها توازناً ووزناً لا يتوافر بالصيغة نفسها في أي إطار إقليمي خليجي محتمل. ومع ذلك، فإن الفكرة الأهم القابلة للاستلهام ليست بنية المنظمة ولا موازين القوى داخلها، بل قدرتها على توفير مساحة للتعاون رغم استمرار الخلافات.
ومن هنا يمكن أن يبدأ التفكير في إطار إقليمي لا يشترط أولاً حل القضايا الكبرى أو الاتفاق على توازناته النهائية، وإنما ينمو من ترتيبات عملية ومصالح مشتركة تتوسع مع الوقت وتتحول تدريجياً إلى إطار أكثر انتظاماً. وبذلك لا تقدّم منظمة شنغهاي وصفة جاهزة، وإنما تفتح باباً لفكرة أكثر واقعية، أن يكون بناء التعاون طريقاً إلى الإطار الإقليمي، لا نتيجة لاتفاق شامل يسبقه.