إيران المعضلة ومقترحات العلاج

بقلم: ياسر عبد العزيز
إعلامي وكاتب وباحث سياسي
تطورات الأزمة الإيرانية الممتدة منذ ما يقارب الأربعة أشهر متسارعة لدرجة تحتاج إلى متابعة لحظية، حرب، ثم وقف إطلاق نار، ثم خرق لهذا الاتفاق، ثم تفاهمات ووساطات، لتوصل لوقف آخر لإطلاق النار، ثم خرق آخر، في جبهة أخرى، تدفع الاتفاق إلى التصدع، وتهدر جهود الوساطات، وأخر أخبار الأزمة في الشرق الأوسط، هي وصل نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى سويسرا لإجراء محادثات مع إيران، إذ يسعى الجانبان إلى إنهاء الحرب بشكل دائم، بينما يختلفان بسبب إعلان طهران إغلاق مضيق هرمز مجددا.
هرمز وإن كان المعدلة، فإن الأزمة الحقيقية التي يدفع ثمنها العالم، تدفع دول الخليج ضعف هذا الثمن، ليس فقط على مستوى الاقتصاد وتصدير النفط، ولا حتى على مستوى الرؤى التي تتبلور في أغلب هذه الدول والمتمثلة في التحول السياحي كرافد من روافد اقتصاد الدور الريعية، وإنما الأهم هو تهديد الأمن والاستقرار لهذه الدول، وهو ما ينعكس سلباً لا على مناخ التنمية والنهضة فحسب، بل أيضاً على حالة الاستقرار السياسية والاجتماعي لهذه الدول.
هذه الحالة من عدم الاستقرار دفعت سياسياً ومفكري الخليج يتفكرون في حل المعضلة الإيرانية، حيث تمثل، منذ نجاح ثورة الخميني في 1979 وتبنيها تصدير الثورة، يعاني الخليج، ومن ورائه الأمة العربية، ويمكن أن نذهب أبعد من ذلك، حيث تأثرت الأمة الإسلامية، في تركيبتها الأيدلوجية مع محاولات النظام الإيراني نشر المذهب لا فكر الثورة، وإن كان الاثنان مرتبطين، لكن هذه المخاوف والتأثيرات تعاظمت، ألا وهي تنامي القوة العسكرية والتسليحية لإيران، ونقل فائض هذه القوة إلى بلدان عربية، بصناعة ميليشيات، وصل بعضها إلى سدة الحكم، حتى امتلك مقدرات دولة، ما زاد مخاوف دول الخليج، وجعلها في بحث وفحص، للداء وكيفية معالجته.
مع بداية الحرب الأمريكية – الإسرائيلية الأخيرة على إيران، قبل أن تنسحب الأخيرة تكتيكياً للتفرغ لقص واحد من أهم أذرع إيران – حزب الله – صرح الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أن الهدف من هذه الحرب هو التخلص من النظام الإيراني المزعج للمنطقة، وهو ما لاقى قبولاً مكتوماً من دول الخليج، وقبل بداية الحرب، وفي ظل إرهاصاتها، كتبنا عن أن أي حرب ستندلع ضد إيران سيكون لها تأثيرها في الخليج في مقال بعنوان (شظايا أي ضربة أمريكية محتملة لإيران ستتناثر على الخليج)، ومع بداية الحرب وتحديد الأهداف، تماسكت إيران فنزل سقف الطموحات، وأفرغ بنك أهداف، وتبلور في نزع مقومات القوة، وهو ما تحقق بشكل كبير، رغم عدم وجود معايير لقياس ذلك، لكن الشواهد تشي بذلك، على الأقل على المستوى الإداري للنظام الإيراني، فقتل المرشد وقادة الصف الأول يكفي لتصديق ترامب، وحجم الدمار، المقنن، الذي تكشف عنه إيران يؤكد ذلك، إلا أن إيران ما زالت تمتلك من القوة ما يجعلها جزءاً من عناصر أي معادلة في المنطقة.
فكرة ترامب بتغيير النظام، من خلال تحييد الأشخاص لا يعني بالضرورة تغيير السياسات، لذا فقد اقترح بعض السياسيين والمفكرين في الخليج، فكرة تفكيك الدولة المركزية الإيرانية، إلى دويلات، لتفتيت هذه القوة المهددة، ولعل التشكيلة الفسيفسائية للمجتمع الإيراني؛ حيث تضم إيران العديد من الأعراق (الفارسية -العربية – الأذرية – البلوشية – الأكراد – التركمان) تغري لتطبيق الفكرة، فالعمل على منح كل قومية من هذه القوميات حكماً ذاتياً، قد يكون الطريق الأقرب لتحويل الأولويات من التوسع الخارجي إلى التنمية الداخلية، والبناء، والاستقرار، على حد تعبير أصحاب هذه الفكرة.
الحل المطروح، وإن كان سيستفز النظام في إيران، ويكون تكأة للصقور في هذا النظام لمزيد من التشدد باتجاه دول الخليج وطارحي هذه الفكرة، لكن الفكرة بالأساس، تحتاج إلى تفكيك لفهم مدى إمكانية تحقيقها، ويتوقف نجاح مشروع تغيير النظام في إيران، ومن ثم تفكيك الدولة، يتوقف على مدى تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية على المستويين المؤسسي والشعبي، وهو ما كتبناه منذ بداية الحرب في مقال (مقتل خامنئي ومحاولة إعادة هندسة التوازن الإقليمي) واستبعاد تفكيك المجتمع بسبب الانتماء الأيدلوجي، فصلنا فيه في مقال حمل اسم (“بيت رهبری” على مفترق طرق) وهنا نعيد تفصيل الفكرة، لعل طارحي مشروع تفكيك إيران يعيدون النظر.
في أخر إحصاء بلغ عدد سكان إيران حوالي من 93 مليون نسمة، أغلبهم من سكان المدن، ويتكونون من عدة عرقيات كما أسلفنا، لكن الأهم في هذا التفصيل أن المذهب الجعفري (الشيعي) يعتنقه من هذه القوميات كل من الفرس، الأذر، وأغلب العرب (في خوزستان)، وجزء من الأكراد، أما المذهب الشافعي (السني) فأغلب معتنقيه من الأكراد، وعرب السواحل الجنوبية، لكن السنة لهم نصيب في مذهب آخر وهو المذهب الحنفي ويعتنقه كل من البلوش، والتركمان، ورغم غياب الإحصائيات الدقيقة، فإن الشيعة يشكلون ما بين 85% إلى 90% من إجمالي السكان. وينتمون إلى الجعفرية وهذا مذهب الأغلبية من الفرس، والأذر، واللور، ومجموعة كبيرة من العرب، ومجموعة ليست بالقليلة من الأكراد، أما السنة فيشكلون ما بين 10% إلى 15% من السكان، ويتوزعون بشكل أساسي على أطراف إيران وحدودها، وينتمون إلى عرقيات مثل البلوش، التركمان، أغلب الأكراد، وعرب السواحل والجزائر الجنوبية، بالإضافة إلى بعض الجماعات التالشية واللارية، ما يعني أن الانتماء العقدي غالب، وهو ما يعتمد عليه ساكن (بیت رهبری) وأتباعه من حكام إيران.
العلاج الذي أراده طارحو فكرة تقسيم إيران وإقامة دولة فارسية، وأخرى للأحواز العرب، ثالثة لأذر، ورابعة للبلوش، وخامسة للكرد، وسادسة للتركمان، إنما في النهاية ستصب في مصلحة الدولة العقدية التي أسسها الخميني في 1979 وعلى الرغم من احتمالية انشغال كل دولة مؤقتاً بالصراع مع الدولة المركزية، فيما لو حصل، فإن استتباب الأمور في الأخير، سيكون لصالح المشروع العقدي، ونكون بذلك قد قسمنا الخلية وتزاد انتشاراً، وفيستفحل المرض ويصعب العلاج.
لكن علينا أن نسأل صناع القرار في المنطقة والعالم، هل أنتم جادون في الحفاظ على أمن واستقرار الخليج؟! هل إيران فعلاً تسبب قلقاً حقيقياً، حتى مع تهديدها لأمن الملاحة في العالم من خلال إغلاق واحد من أهم شرايين التجارة والإمداد سواء للطاقة أو المواد الخام؟
إن إيران، كما إسرائيل هما دولتان وظيفيتان، مهمتهما العمل على خلق حالة عدم استقرار في المنطقة الأهم في العالم، من حيث الطاقة والموارد الطبيعية والمواد الخام، والأهم من حيث الطاقة البشرية الجامع، والتي إن توحدت ستكون جامحة، ولن يستطيع أن يوقفها، أحد، وبالتالي تتبدد جهود الإمبريالية العالمية على مدى أكثر من مئة سنة.
إن هذه المنطقة الممتدة، حتى بحدودها الوهمية المرسومة على الخرائط، تجمعها من المقومات والمقدرات والمصائر ما يجعلها قوة لا يمكن أن تترك من دون لجام، فمخاوف الإمبريالية من سكان هذه المنطقة يمد من عمر إيران الخميني، لكن في الحدود التي يريدها الغرب، وهو أس الصراع الآن يكمن، في الرغبة الإيرانية من جهة، والحدود التي رسمها من خطط للاستفادة من الاختلاف العقدي في المنطقة.
تتعاظم المعضلة، وتطرح العلاجات، وفي هذا التدافع الفكري مصلحة بلا جدال، لهذه الأمة المفعول بها، فإن كانت اقتراحات العلاج مطروحة للنقاش، فاسمح لي عزيزي القارئ أن أطرح علاجاً لعلي آتيكم بقبس، أو يجد متخذ القرار من الأطروحة هدى..
الحل في رأيي هو الحوار، ولا شيء غير الحوار، ولكن الحوار المبني على القوة، ولعل الأمة فيها من مقومات القوة ما يمكنها من الجلوس مع إيران على طاولة (الكل رابح) لدينا تركيا وباكستان ومصر كقوى عسكرية لا يستهان بهم، كما أنهم يمثلون، باستثناء مصر، دول طوق لإيران، كما لدينا قوى اقتصادية مرعبة متمثلة في السعودية وقطر والإمارات، ولدينا من المزايا الجيوسياسية والجيواستراتيجية، ما يجعلنا نمدد قدمينا وفرض ايرادتنا، متمثلة في المضايق والمنافذ البحرية التي يمكن أن تخنق إيران، فعلينا أن نتخذ القرار، ونجلس للحوار بما أوتينا من قوة، لكن السؤال: هل لدينا الإرادة لفعل ذلك؟!