مقالات وبحوث

إذا لم تتفكك إيران إلى عدة دول فسيبقى الخطر الإيراني قائماً على الخليج

بقلم: رئيس التحرير 

منذ أكثر من أربعة عقود ودول الخليج العربي تعيش في ظل تحدٍ استراتيجي مستمر يتمثل في السياسات التوسعية الإيرانية، التي لم تقتصر على الخلافات السياسية التقليدية بين الدول، بل امتدت إلى دعم الميليشيات المسلحة، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، واستثمار الانقسامات الطائفية والعرقية لتحقيق أهداف جيوسياسية تتجاوز حدود الدولة الإيرانية نفسها.

وقد أثبتت التجارب المتعاقبة أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الحكومة الإيرانية الحالية وحدها، ولا في رئيس أو تيار سياسي بعينه، بل في طبيعة الدولة الإيرانية المركزية الضخمة، التي تضم عشرات القوميات والشعوب المختلفة تحت سلطة مركزية واحدة، تهيمن عليها قومية واحدة، وتوظف مقدرات البلاد الهائلة في مشروع إقليمي واسع النطاق.

ولهذا فإن أي تغيير سياسي داخل طهران، مهما كان حجمه، قد لا يكون كافياً لإنهاء التهديد بشكل دائم، ما لم يُعاد النظر في البنية الجيوسياسية للدولة الإيرانية نفسها.

إن إيران الحالية ليست دولة قومية متجانسة، بل كيان متعدد القوميات والأعراق واللغات والثقافات، ويضم شعوباً كبيرة لكل منها هويتها الخاصة وتاريخها المختلف وطموحاتها السياسية المستقلة.

ومن أبرز هذه المكونات:

أولاً: الدولة الفارسية
وتضم المناطق الفارسية في وسط إيران، وتشكل النواة السياسية والتاريخية للنظام الحاكم، وتتركز فيها المؤسسات السيادية والعسكرية والاقتصادية الكبرى.

ثانياً: دولة الأحواز العربية
في جنوب غرب إيران، وهي منطقة عربية تاريخياً، تمتلك نسبة كبيرة من احتياطيات النفط والغاز، وتتمتع بموقع استراتيجي على الخليج العربي.

ثالثاً: دولة أذربيجان الجنوبية
في شمال غرب إيران، ويقطنها ملايين الأذريين الذين يرتبطون ثقافياً ولغوياً بجمهورية أذربيجان، ويُنظر إليها باعتبارها إحدى أكبر القوميات غير الفارسية داخل إيران.

رابعاً: دولة بلوشستان
في الجنوب الشرقي، ويقطنها البلوش الذين يمتد وجودهم عبر إيران وباكستان وأفغانستان، ويعانون منذ عقود من التهميش التنموي والسياسي.

خامساً: دولة كردستان الشرقية
في غرب إيران، حيث يعيش الأكراد الذين يمتلكون هوية قومية راسخة، ولديهم امتداد جغرافي وثقافي مع أكراد العراق وتركيا وسوريا.

سادساً: دولة تركمانستان الجنوبية
في الشمال الشرقي، حيث يعيش التركمان الذين يتميزون بخصوصية ثقافية وقومية مختلفة عن المركز الفارسي.

ولا يعني الحديث عن هذه الكيانات الدعوة إلى الفوضى أو الصراعات، بل الإشارة إلى حقيقة جغرافية وديموغرافية قائمة منذ قرون، مفادها أن إيران الحالية تجمع داخل حدودها أمماً متعددة، تختلف في اللغة والثقافة والتاريخ والانتماء.

ومن منظور الأمن الخليجي، فإن وجود دولة مركزية ضخمة يبلغ عدد سكانها عشرات الملايين، وتملك مشروعاً توسعياً عابراً للحدود، سيبقى مصدر قلق دائم لدول المنطقة، مهما تغيرت الحكومات، أو تبدلت الوجوه السياسية.

أما في حال ظهور كيانات وطنية مستقلة تمثل شعوبها بصورة طبيعية، فإن الأولوية ستنتقل من تصدير الأزمات والتدخلات الخارجية إلى بناء الاقتصاد والتنمية الداخلية، وتحسين مستوى المعيشة ومعالجة المشكلات المحلية، وهو ما حدث في كثير من مناطق العالم بعد انتهاء الإمبراطوريات متعددة القوميات.

لقد أثبت التاريخ أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل بتحقيق العدالة بين الشعوب، واحترام حقها في تقرير مصيرها وإدارة شؤونها بعيداً عن الهيمنة والإقصاء.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه صناع القرار في المنطقة والعالم ليس: هل يمكن أن تتغير الحكومة الإيرانية؟ بل: هل يمكن أن يستمر الأمن الإقليمي في ظل بقاء البنية الجيوسياسية الحالية لإيران كما هي؟

إن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون مفتاح فهم كثير من أزمات الشرق الأوسط خلال العقود القادمة، وقد تفسر لماذا يرى بعض الباحثين والمفكرين الاستراتيجيين أن مستقبل الاستقرار في الخليج يبدأ من إعادة رسم الخريطة السياسية لإيران على أسس أكثر عدلاً وتوازناً وتمثيلاً لشعوبها المتعددة.

وليس هذا الطرح بعيداً عن منطق التاريخ السياسي الحديث؛ فقد شهد العالم نماذج كبرى لدول وإمبراطوريات متعددة القوميات ظلت متماسكة بالقوة المركزية زمناً طويلاً، ثم ما لبثت أن تفككت عندما عجزت عن استيعاب تنوعها الداخلي وعدالة تمثيل شعوبها.

فالاتحاد السوفيتي، على سبيل المثال، لم يكن دولة واحدة متجانسة، بل اتحاداً واسعاً يضم قوميات وجمهوريات متعددة، وحين سقطت القبضة المركزية خرجت من داخله دول مستقلة لكل منها هويتها ومصالحها ومسارها السياسي.

وكذلك يوغوسلافيا، التي جمعت شعوباً مختلفة تحت سلطة واحدة، لكنها لم تستطع تجاوز التناقضات القومية والدينية والتاريخية، فانتهت إلى دول متعددة، بعضها أصبح اليوم أكثر استقراراً وقدرة على بناء علاقات طبيعية مع محيطه.

ولا تعني هذه الأمثلة أن كل تفكك يقود تلقائياً إلى الاستقرار، فالتاريخ يعلّمنا أن الانتقال قد يكون صعباً ومؤلماً إذا غابت الحكمة والضمانات الدولية، لكنها تؤكد حقيقة مهمة: أن الدول المركبة، حين تتحول إلى أداة قهر داخلي وتهديد خارجي، تصبح إعادة النظر في بنيتها السياسية جزءاً من البحث عن أمن أوسع وعدالة أشمل.

ومن هنا فإن الحديث عن مستقبل إيران ليس دعوة إلى الفوضى، بل دعوة إلى قراءة عميقة لطبيعة الدولة الإيرانية، ولحق شعوبها في حياة كريمة، ولحق الخليج والمنطقة في أمن لا يبقى رهينة مشروع مركزي توسعي يهدد الجميع.

ويبقى السؤال الأهم بعد كل ذلك: ماذا لو توقفت الحرب ووقّعت الاتفاقات وعادت القنوات الدبلوماسية للعمل من جديد؟

إن انتهاء المواجهات العسكرية لا يعني بالضرورة انتهاء أسبابها، كما أن توقيع الاتفاقات لا يكفي وحده لبناء الثقة أو ضمان الأمن المستدام، ولذلك فإن مستقبل العلاقة الخليجية الإيرانية، وشروط أي انفتاح اقتصادي أو سياسي قادم، يبقى موضوعاً يستحق نقاشاً مستقلاً، وهو ما سنتناوله في مقال لاحق بإذن الله.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى