«سنشد عضدك بأخيك»… الكويت والسعودية

لم تتوقع السفارة السعودية لدى الكويت أن يتحول إعلانها توفير حافلات لنقل المواطنين السعوديين الراغبين في العودة إلى الرياض، ممن ألغيت رحلاتهم، إلى مساحة واسعة من التفاعلات الكويتية التي تجاوزت حدود الترحيب المعتاد، وأظهرت عمق التلاحم الأخوي بين الشعبين الشقيقين، بعدما قوبل الإعلان بالتأكيد على أن السعودي ليس ضيفاً، بل هو في بلده الثاني الكويت، أهلها أهله، وبيوتها مفتوحة له قبل أبوابها.
لقد تجاوزت الردود الكويتية الشعبية على تغريدة السفارة حاجز الدبلوماسية، لتصاغ بلسان العفوية والأخوة، إذ كتب أحد المغردين «أوله كبرتوها، يرجعون للرياض ليش؟ بيوتنا بيوتهم، والحلال واحد، والدم واحد، والمصير واحد، وإذا يبون يردون نردهم ونجيبهم»، بينما كتب آخر: «بيوتنا وسياراتنا تحت ماطي رجلهم»، في تعبير شعبي اختصر طبيعة العلاقة الأخوية بين البلدين الشقيقين.
ولم تتوقف التفاعلات عند حدود كلمات المحبة والترحيب، بل امتدت إلى مبادرات عملية، مع كتابة مئات التعليقات التي عرض أصحابها توفير السكن والخدمات مجاناً للأشقاء السعوديين الموجودين في الكويت، وهكذا تحولت تغريدة تتعلق بترتيبات السفر إلى مساحة واسعة من التضامن الشعبي، حظيت بملايين المشاهدات وآلاف التعليقات والتفاعلات.
فالسعودية بالنسبة للكويت ليست مجرد دولة جارة وشقيقة فحسب، بل عمود البيت الخليجي، وبلاد الحرمين الشريفين، التي تحتل مكانة خاصة في قلوب المسلمين، وترتبط بالكويت بروابط الدين والقرابة والتاريخ والمصير المشترك، وهي روابط لا تختزل في البيانات الرسمية وحدها، بل تتجلى على جميع المستويات.
ولعل ما يمنح «التفاعلات» عمقاً تاريخياً، أنها تستحضر بصورة عفوية، واحدة من المحطات التي لا تغيب عن الذاكرة الكويتية، الغزو العراقي الغاشم عام 1990، حينما فتحت المملكة أبوابها لاحتضان الكويتيين، وقدمت لهم من الدعم والمساندة ما لا يقدمه إلا الشقيق لشقيقه، وخلد التاريخ مقولة الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله، «إما أن تبقى الكويت والسعودية معاً، أو أن تذهب الكويت والسعودية معاً».
كما تكتسب هذه الرسائل أهمية إضافية، في ظل ما تتعرض له المملكة من اعتداءات سافرة ممنهجة من ميليشيا الحوثي الإرهابية، تستهدف المطارات والمنشآت والمدنيين، بما يمس أمن المملكة وسلامة سكانها، ويضع أمن المنطقة واستقرارها أمام تحديات تستدعي مزيداً من التضامن والتنسيق.
ومن هنا فإن رسائل المحبة الكويتية لا يمكن اختزالها في عبارات مجاملة أو تفاعلات عابرة على منصات التواصل الاجتماعي، بل تعكس موقفاً شعبياً يؤكد رسوخ مكانة المملكة في وجدان الكويتيين، وأن التضامن الكامل رسمياً وشعبياً معها في مواجهة ما تتعرض له من اعتداءات، امتداد طبيعي لعلاقة تاريخية فريدة من نوعها.
وفي هذا السياق، نشر سفير خادم الحرمين الشريفين لدى الكويت، الأمير سلطان بن سعد بن خالد آل سعود عبر حسابه بمنصة «إكس»، صورة تجمع العلمين السعودي والكويتي، مرفقة بقوله تعالى، «قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ»، في رسالة تحمل دلالات الأخوة والتعاضد، وتعكس المعنى الذي عبر عنه التفاعل الشعبي من الجانبين.

تلك هي دلالة المشهد الذي صنعته تغريدة واحدة، أن الأخوّة الكويتية السعودية، ليست مجرد علاقة بين دولتين، وأن تلك هي الكويت التي تعرف معنى الوفاء، وتلك هي السعودية التي تحتل مكانة راسخة في وجداننا.. حفظ الله الكويت والسعودية من كل شر ومكروه.