المغرب

جامعة القرويين وجامع الأندلس.. فاطمة الفهري وأختها مريم

بقلم: رئيس التحرير

تُعدّ جامعة القرويين بمدينة فاس المغربية إحدى أعرق المؤسسات العلمية في التاريخ الإسلامي، ويرتبط تأسيسها باسم امرأة استثنائية هي فاطمة الفهري رحمها الله (حوالي 180هـ/800م – بين 265 و268هـ/878–880م).

وهي فاطمة بنت محمد الفِهْرية القُرَشية، الملقبة بـ«أم البنين»، تعود أصولها إلى أسرة عربية قيروانية يُنسب نسبها إلى ذرية عقبة بن نافع الفهري، فاتح إفريقية ومؤسس مدينة القيروان، وُلدت رحمها الله في القيروان بتونس، ثم هاجرت أسرتها إلى فاس في عهد الدولة الإدريسية، ضمن موجات استقرار العرب القيروانيين في المغرب الأقصى.

نشأت فاطمة رحمها الله في بيت علم وثراء؛ فوالدها محمد بن عبد الله الفهري رحمه الله كان تاجراً موسراً، عُرف بصلاحه واهتمامه بتربية ابنتيه فاطمة ومريم تربية دينية راسخة، وبعد وفاته ورثت البنتان ثروة معتبرة، فاختارتا أن تُخلّدا ذكرى والدهما بعمل نافع دائم. وفي إثر ازدياد عدد السكان وضيق المسجد القائم بالمصلين، قررت فاطمة رحمها الله إعادة بناء مسجد القرويين وتوسيعه على نفقتها الخاصة، وذلك في شهر رمضان سنة 245هـ/859م، بمطالعة العاهل الإدريسي يحيى الأول.

لم يكن مشروعها مجرد توسعة معمارية، بل رؤية حضارية، فقد اشترت الأرض المحيطة بالمسجد من رجل من قبيلة هوارة، وضمتها إلى البناء، وأشرفت على عملية التشييد بدقة بالغة، وينقل المؤرخ التونسي حسن حسني عبد الوهاب في كتابه «شهيرات التونسيات» أنها التزمت ألا تُدخل في البناء مادة إلا من الأرض التي اشترتها، فحفرت فيها لاستخراج الرمل والجص والحجر، تحرياً للنزاهة والورع. وتذكر الروايات أنها صامت طيلة فترة البناء التي امتدت قرابة ثمانية عشر عاماً، حتى اكتمل سنة 263هـ/876م، فصلّت فيه شكراً لله، وقد توفيت بعد سنوات قليلة، بين عامي 878 و880م، تاركةً أثراً عمرانياً وعلمياً خالداً.

تحوّل مسجد القرويين تدريجياً إلى مركز علمي كبير، فأصبح مع مرور الزمن معهدًا للتعليم الديني واللغوي والعلمي، ثم مؤسسة تعليم عالٍ ذات نظام تدريسي منتظم، ما جعله يُصنَّف في عدد من الدراسات الحديثة باعتباره أقدم مؤسسة جامعية مستمرة في العالم، ورغم أن مفهوم «الجامعة» بمصطلحه الأوروبي الوسيط يختلف من حيث البنية القانونية والتنظيمية، فإن جامعة القرويين أدّت وظائف أكاديمية متكاملة قبل نشوء الجامعات الأوروبية بقرنين تقريباً ومنها أخذت أوروبا طريقها نحو تأسيس جامعاتها.

شهد جامع القرويين عبر العصور توسعات متتالية؛ ففي عهد الزناتيين زيد فيه سنة 345هـ، ثم وسّعه المرابطون في عهد علي بن يوسف بن تاشفين، وتتابعت الإصلاحات في العصرين الموحدي والمريني، وصولاً إلى العهد العلوي. وأصبح يتمتع بأوقاف واسعة منحته استقلالاً مالياً، حتى إن الدولة اقترضت منه في بعض المراحل، بحسب ما يذكره الباحث عبد الهادي التازي في كتابه «جامع القرويين: المسجد والجامعة بمدينة فاس»، كما امتدت أوقافه إلى خارج المغرب، فأسهمت في دعم المسجد الأقصى والحرمين الشريفين.

ازدهرت الحياة العلمية في القرويين، فقصده طلاب العلم من المغرب والأندلس وإفريقية وغيرها، ومن أبرز من ارتبط اسمه به: المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون (732–808هـ / 1332–1406م)، والفيلسوف والطبيب ابن رشد (520–595هـ / 1126–1198م)، والطبيب والفيلسوف اليهودي الأندلسي موسى بن ميمون (532–600هـ / 1138–1204م)، والجغرافي الإدريسي (493–560هـ / 1100–1165م)، وعالم الرياضيات ابن البناء المراكشي (654–721هـ / 1256–1321م).

كما ورد أن البابا سيلفستر الثاني (غيربير الأورلياني) (نحو 338–390هـ / 946–1003م) اطّلع خلال رحلاته العلمية في الأندلس والمغرب الإسلامي على العلوم العربية التي كانت تُدرّس في مراكز العلم الكبرى، ومنها القرويين، وأسهم لاحقًا في نقل النظام العددي العربي وبعض المعارف العلمية إلى أوروبا.

أما مكتبة القرويين، التي تطورت خصوصاً في العصر المريني، فقد ضمّت مخطوطات نادرة في الفقه والطب والفلك والرياضيات والمنطق، وشكّلت خزينة معرفية كبرى في الغرب الإسلامي، ورغم تعرض القرويين لحريق كبير سنة 1323م أتى على وثائق مهمة، فإن المؤسسة استعادت نشاطها واستمرت في أداء دورها العلمي.

من الناحية المعمارية، جاء تصميم المسجد على الطراز المربّع الذي عُرف في المساجد الأولى، وتبلغ مساحته نحو 1600 متر مربع في مرحلته المبكرة، قبل التوسعات اللاحقة، ومع تعاقب الدول، صار القرويين مركباً معمارياً وعلمياً متكاملاً يضم أروقة للدراسة، وخزائن كتب، ومدارس ملحقة تجاوز عددها العشرين في فاس وحدها.

إن الأهمية التاريخية للقرويين لا تقتصر على كونها أقدم جامعة مستمرة، بل في كونها جسراً حضارياً نقل العلوم الإسلامية إلى أوروبا، سواء عبر الأندلس أو صقلية، فقد تأسست المدرسة الطبية في ساليرنو حوالي 1050م، ثم جامعة بولونيا، ثم جامعة باريس سنة 1200م، في سياقٍ أوروبي تأثر بالترجمة عن العربية وبالمناهج التي نضجت في مراكز العلم الإسلامية.

وتكتمل صورة هذا المشروع الحضاري النسوي الفريد بذكر دور شقيقتها مريم الفهرية، التي لم تكن أقل إسهامًا من أختها فاطمة، إذ قامت في الفترة نفسها بتأسيس جامع الأندلس في الجهة المقابلة من وادي فاس، ليكون مسجدًا ومركزًا علميًا يخدم الجالية الأندلسية الوافدة إلى المدينة. وقد شكّل الجامعان – القرويين والأندلس – ثنائية علمية وروحية أسهمت في ازدهار فاس كمركز إشعاع حضاري في الغرب الإسلامي. ومع مرور الزمن، ظل جامع الأندلس يؤدي دورًا دينيًا وتعليميًا مكمّلًا للقرويين، وأسهم في تخريج العلماء ونشر العلوم الشرعية واللغوية، مؤكّدًا أن مشروع الأختين الفهريتين رحمهما الله لم يكن عملاً فرديًا عابرًا، بل رؤية متكاملة لبناء مجتمع قائم على العلم، والوقف، وخدمة الإنسان. وهكذا خُلِّدت فاطمة ومريم الفهريتان في سجل الحضارة الإسلامية بوصفهما مثالًا نادرًا لريادة المرأة في تأسيس المؤسسات العلمية الكبرى التي غيّرت مسار التاريخ.

وهكذا تتجسد في سيرة فاطمة الفهرية رحمها الله صورة المرأة العالمة الراعية للعلم، التي أدركت أن العمران الحقيقي هو عمران العقول، لقد جمعت رحمها الله بين الورع والعمل، وبين الثروة والرسالة، فأسست مؤسسة تجاوز أثرها حدود المكان والزمان، وبقي جامع القرويين، إلى جوار جامع الأندلس الذي شيدته أختها مريم رحمها الله، شاهداً على أن الحضارة تُبنى بالإيمان بالعلم، وأن التاريخ لا ينسى من يزرع فيه بذور النور، عملا بما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا مَاتَ ابنُ آدم انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وما ورد عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ، قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وتَصَدَّقْتَ بِهَا، قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ؛ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، ولَا يُورَثُ، ولَا يُوهَبُ، فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ، وفِي الْقُرْبَى، وفِي الرِّقَابِ، وفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وابْنِ السَّبِيلِ، والضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ ولِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، ويُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: تَصَدَّق بِأَصْلِهِا، لَا يُبَاعُ، ولَا يُوهَبُ، ولَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ.

فقوله صلى الله عليه وسلم: “علم يُنتفع به”؛ فيه فضل العلم، وأن الإنسان إذا مات وخلف كتبًا أو تلاميذ قد انتفعوا به، بقي له الأجرُ مُستمرًّا في التلاميذ، وتلاميذ التلاميذ الذين تعلَّموا، والكتب التي ألَّفها، وفي المحاضرات والنَّدوات التي أقامها، وانتفع بها الناسُ، يبقى له أجرٌ.

وهذا مايحلم به كل مسلم عالي الهمة، وقد طبقته فاطمة الفهرية وأختها مريم رحمهما الله أعظم تطبيق، فنفع الله بهما الأمة بل الدنيا كلها، وذلك بالنية الصادقة والهمة العالية.

وفي ختام هذه السيرة المضيئة، تقف تجربة فاطمة ومريم الفهريتين شاهدًا على أن عظمة المرأة لا تُقاس بمدى ضجيج حضورها، ولا بشعارات تُرفع باسم “التحرر”، بل بعمق أثرها وبصمت إنجازها.

لقد خرجت فاطمة ومريم رحمهما الله إلى المجتمع، نعم، لكن خروجهما لم يكن استعراضًا وزينةً، ورياءً وسمعة، ولا صراعًا مع الفطرة أو الأسرة، بل كان امتدادًا لقيم البيت، وترجمةً لتربية صالحة، واستثمارًا للثروة في مشروع علمي يخدم الأجيال، لم تهدما الأسرة ليبنِيا مجدًا شخصيًا، بل انطلقتا من أسرة مستقرة، ومن تربية واعية، لتشييدا مؤسستين بقي أثرهما قرونًا طويلة إلى يومنا هذا.

إن سيرة الأختين رحمهما الله تذكّر بأن تمكين المرأة الحقيقي لا يكون بقطعها عن جذورها، ولا بإغراقها في أنماط استهلاكية عابرة، بل بإطلاق طاقاتها في إطار القيم، والعلم، والرسالة، فالتحرر الذي يفصل المرأة عن مسؤوليتها الأخلاقية والاجتماعية قد يمنح بريقًا مؤقتًا، لكنه لا يصنع حضارة.

أما التحرر الحقيقي فهو القائم على الوعي، والخوف من الله، والعلم، وبناء المؤسسات، وتنمية المجتمعات والحفاظ على تماسكها وترابطها، فهذا الذي يخلّد الاسم في سجل التاريخ.

لقد كانت فاطمة ومريم رحمهما الله نموذجًا لامرأة تجمع بين العبادة والعمل، بين الحياء والعطاء، بين الاستقرار الأسري والريادة المجتمعية، وبهذا المعنى، فإن أعظم دفاع عن مكانة المرأة ليس في الجدل النظري، بل في استحضار هذه النماذج التي أثبتت أن المرأة المسلمة كانت – ولا تزال – قادرة على صناعة العلم، وتأسيس الجامعات، وتوجيه مسار الأمم، دون أن تفقد هويتها أو رسالتها.

تلك هي الدروس التي تستحق أن تُقرأ، وتُجعل منهج حياة.

زر الذهاب إلى الأعلى