على مائدةِ ترامب: فضائيُّون يطلبون القهوةَ ويخشون “إبستين”!

بقلم: عبدالعزيز قاسم
إعلاميٌّ وكاتبٌ صحفيٌّ
1= مِقلاةُ ترامب الكونيَّةُ
لم يكن ينقصُ ملفَّ الكائناتِ الفضائيَّةِ إلّا رجلٌ مثل “دونالد ترامب”؛ رجلٌ إذا وجدَ خبرًا يشتعلُ، سكبَ عليهِ بنزينًا، ثمَّ وقفَ بعيدًا يشرحُ للنّاسِ فضائلَ السَّلامةِ العامَّةِ!
أصلُ الحكايةِ — حتّى لا نظلمَ أحدًا ولا نجاملَ أحدًا — أنَّ “أوباما” لم يخرج ليقولَ: “نعم، رأيتُ الكائناتِ الفضائيَّةَ، وأحدُهم طلبَ قهوةً أمريكانو”.. هذا لم يحدثْ.
الذي حدثَ — في جوهرِهِ — هو حديثٌ أقربُ إلى التَّأمُّلِ العقليِّ في اتِّساعِ الكونِ، وما إذا كان من المنطقيِّ أن نكونَ وحدَنا فيهِ. وهنا دخلَ ترامب، كعادتِهِ، لا ليمرَّ على النّارِ.. بل ليضعَ عليها مِقلاةً كاملةً.
بنبرةٍ تجمعُ بين التَّوبيخِ والاستعراضِ وإنقاذِ الموقفِ في الوقتِ نفسِهِ (وهذه مدرسةُ ترامب الخاصَّةُ)، خرجَ التَّصريحُ المتداولُ الذي يقولُ فيهِ إنَّه سيوجِّهُ الجهاتِ المعنيَّةَ للإفراجِ عن ملفّاتِ الحياةِ خارجَ الأرضِ، والظَّواهرِ الجويَّةِ غيرِ المحدَّدةِ (UAP).
يا سادة: صدِّقوني أنَّه بينما يتأمَّلُ الفلاسفةُ اتِّساعَ السَّماءِ، يتأمَّلُ ترامب كلفةَ (إيجارِ) المجرَّةِ.. ومَن الذي سيدفعُ الثَّمنَ في النِّهايةِ!
2= سُلَّمُ العقلِ وصحنُ “المُشكَّلِ”
أمَّا أنا، فقصَّتي مع هذا الملفِّ قديمةٌ، من أيّامِ كانت “الأطباقُ الطَّائرةُ” تسرقُ عقولَنا أكثرَ ممَّا تسرقُ التَّطبيقاتُ وقتَنا اليومَ. من ذلك الطَّبقِ الذي قيلَ إنَّه شوهدَ في “الكويتِ”، إلى خُزعبلاتِ “أنيس منصور” في كتابِهِ (الذين هبطوا من السَّماءِ)، وهو كتابٌ لو قرأتَهُ في سنٍّ مبكِّرةٍ، فإمَّا أن تصبحَ فيلسوفًا.. أو تقضي ليلَكَ مراقبًا للسَّماءِ بلا سببٍ! وصولًا إلى النِّقاشاتِ التي كانت تُدارُ في المجالسِ بجديَّةٍ علميَّةٍ، بينما المصدرُ الحقيقيُّ في الغالبِ: “واحدٌ ثقةٌ.. قالَ لواحدٍ أوثقَ منهُ”!
وهذا — بالمناسبةِ — لا يزعجُني. الذي يزعجُني فقط هو “الخلطُ الفوضويُّ” بين ثلاثةِ ملفّاتٍ، وكأنَّها صحنُ “مُشكَّلٍ” واحدٌ:
-وجودُ حياةٍ خارجَ الأرضِ.
-وجودُ حياةٍ ذكيَّةٍ عاقلةٍ.
-كونُ هذهِ الحياةِ زارتنا فعليًّا في مركباتٍ تجوبُ أجواءَنا.
هذه ليست درجةً واحدةً.. هذا سُلَّمٌ كاملٌ، ومن الظُّلمِ للعقلِ أن نصعدَهُ قفزًا.
يا أحبَّة: العقلُ الذي يخلطُ بينَ (احتمالِ الحياةِ) وبينَ (لقاءِ الجيرانِ)، هو العقلُ نفسُهُ الذي يطلبُ صحنَ (مُشكَّلٍ) ويغضبُ لأنَّ الطَّبّاخَ لم يضعْ فيهِ منطقًا!
بصراحةٍ أكثر، ومن واقعِ مجتمعِنا:
المجالسُ التي تبدأُ بخبرٍ عن الفضائيّينَ، تنتهي غالبًا بخبيرِ فلكٍ مفاجئٍ… لا يعرفُ أين تقعُ مجرَّةُ دربِ التَّبّانةِ على الخريطةِ.
3= صدمةُ الأرقامِ وكبرياءُ الصُّدفةِ
أنحازُ لتخصُّصي في “الرِّياضيّاتِ”، فمِن ناحيةٍ عقليَّةٍ بسيطةٍ، لتجزمَ بوجودِ حياةٍ ذكيَّةٍ، تأتي الأرقامُ لا الانفعالاتُ. أنا أميلُ إلى الإيمانِ بإمكانِ وجودِ حياةٍ ذكيَّةٍ، ليس لأنَّ “صورةً مهزوزةً” ظهرت فوقَ سطحِ بيتٍ في ليلةٍ غائمةٍ، بل لأنَّ الحساباتِ الكونيَّةَ تُحرجُ الإنكارَ السَّريعَ.
مجرَّتُنا (دربُ التَّبّانةِ) تحوي أكثرَ من 100 مليارِ نجمٍ.
الكونُ قد يحتوي “سِبتيليون” نجمٍ (واحدٌ ويمينُهُ 24 صفرًا!).
العلم يقول بأن الكواكبُ الشَّبيهةُ بالأرضِ في مجرَّتِنا وحدَها تتراوحُ بين 300 مليونٍ و6 ملياراتِ كوكبٍ.
طبعًا شبيهات الأرض في الكون كله؛ رقمٌ لا نستوعبه بعقولنا القاصرة!
لكن.. لا تخلطوا “احتمالَ الحياةِ” بـ “كلِّ ضوءٍ في السَّماءِ”.
العلمُ يسمحُ لكَ أن تقولَ: “الاحتمالُ قويٌّ ومعتبرٌ”، لكنَّه لا يسمحُ لكَ أن تقولَ: “الجيرانُ وصلوا وعندَهم موقفُ سيّاراتٍ خلفَ القمرِ!”.
يا أحبَّة: سِبتيليونُ نجمٍ هي صفعةُ الرِّياضيّاتِ لكبرياءِ مَن يظنُّ أنَّ هذا الكون الشَّاسع صُمِّمَ ليكونَ (خلفيَّةً) لصورِهِ الشَّخصيَّةِ.. أيعقلُ أنَّ كلَّ هذا صدفةً أيُّها المنكرون لوجودِ الخالقِ؟
4= هوكينغ وشياطينُ الأرضِ
أكبرُ عقليَّةٍ فيزيائيَّةٍ، “ستيفن هوكينغ”، ذلكَ الرَّجلُ المقعدُ الذي لا يعملُ فيهِ شيءٌ سوى دماغِهِ، كان يحذِّرُ من التَّواصلِ مع الفضائيّينَ، خشيةَ أن يفعلوا بنا ما يفعلُهُ الأقوياءُ بالأضعفِ.
والطَّريفُ أنَّ هذا “العبقريَّ” العاجز تورَّطَ في “جزيرةِ الشَّيطانِ” مع “إبستين”، وظهرت صورُهُ هناكَ.. وليتَ شعري ماذا كان يفعلُ وهو لا يتحرَّكُ فيهِ سوى عينيهِ؟! يبدو أنَّ الفضائيّينَ كانوا أرحمَ بهِ من شياطينِ الأرضِ.
يا لله! بينَ عبقريَّةِ الفيزياءِ ووضاعةِ الواقعِ، نكتشفُ أنَّ الفضائيّينَ لو زارونا.. لهربوا فزعًا من (أخلاقِنا) لا من أسلحتِنا!
5= نِمنمٌ بقرونِ استشعارٍ
عودةً لترامب.. ننتظرُ ما سيُفرَجُ عنهُ، ونقرأُهُ بعينٍ باردةٍ. وحتَّى يحينَ ذلكَ، سيبقى للموضوعِ ميزةٌ اجتماعيَّةٌ لا تُنكرُ؛ فعلى الأقلِّ سيبقى لدى الأمَّهاتِ مخزونٌ جديدٌ من أدواتِ التَّخويفِ التَّربويِّ! جيلُنا كانتِ الأمَّهاتُ تخيفُهُ بـ “النِّمنمِ”.. وهذا الجيلُ يمكنُ تخويفُهُ بـ:
-أبو صحنٍ دوَّارٍ. (بعبع المريخ)
-أمُّ عيونٍ ليزرٍ..(حنش عطارد)
-أمُّ قرونِ استشعارٍ (صرصور زحل).
وإن أردتم نسخةً مدرسيَّةً أشدَّ هيبةً: “الزَّائرُ الكونيُّ”… لكن هذه لا تخيفُ طفلًا، هذه تصلحُ عنوانَ ندوةٍ!